فخر الدين الرازي
122
تفسير الرازي
ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون المسألة الثالثة : قال ههنا * ( إذا فريق منهم ) * وقال في العنكبوت : * ( فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) * ( العنكبوت : 65 ) ولم يقل فريق وذلك لأن المذكور هناك ضر معين ، وهو ما يكون من هول البحر والمتخلص منه بالنسبة إلى الخلق قليل ، والذي لا يشرك به بعد الخلاص فرقة منهم في غاية القلة فلم يجعل المشركين فريقاً لقلة من خرج من المشركين ، وأما المذكور ههنا الضر مطلقاً فيتناول ضر البر والبحر والأمراض والأهون والمتخلص من أنواع الضر خلق كثير بل جميع الناس يكونون قد وقعوا في ضر ما وتخلصوا منه ، والذي لا يبقى بعد الخلاص مشركاً من جميع الأنواع إذا جمع فهو خلق عظيم ، وهو جميع المسلمين فإنهم تخلصوا من ضر ولم يبقوا مشركين ، وأما المسلمون فلم يتخلصوا من ضر البحر بأجمعهم ، فلما كان الناجي من الضر من المؤمنين جمعاً كثيراً ، جعل الباقي فريقاً . * ( لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ ) * . قوله تعالى : * ( ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ) * قد تقدم تفسيره في العنكبوت بقي بيان فائدة الخطاب ههنا في قوله : * ( فتمتعوا ) * وعدمه هناك في قوله : * ( وليتمتعوا فسوف يعلمون ) * فنقول لما كان الضر المذكور هناك ضراً واحداً جاز أن لا يكون في ذلك الموضع من المخلصين من ذلك الضر أحد ، فلم يخاطب ولما كان المذكور ههنا مطلق الضر ولا يخلو موضع من المخلصين عن الضر ، فالحاضر يصح خطابه بأنه منهم فخاطب . ثم قال تعالى : * ( أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ) * لما سبق قوله تعالى : * ( بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم ) * ( الروم : 29 ) أي المشركون يقولون ما لا علم لهم به بل هم عالمون بخلافه فإنهم وقت الضر يرجعون إلى الله حقق ذلك بالاستفهام بمعنى الانكار ، أي ما أنزلنا بما يقولون سلطاناً ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : أم للاستفهام ولا يقع إلا متوسطاً ، كما قال قائلهم : أيا ظبية الوعساء بين جلاجل * وبين النقا آأنت أم أم سالم فما الاستفهام الذي قبله ؟ فنقول تقديره إذا ظهرت هذه الحجج على عنادهم فماذا نقول ، أهم يتبعون الأهواء من غير علم ؟ أم لهم دليل على ما يقولون ؟ وليس الثاني فيتعين الأول . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( فهو يتكلم ) * مجاز كما يقال إن كتابه لينطق بكذا ، وفيه معنى لطيف